و موتٌ يضحكُ في وجهي بصورةِ رجلٍ مُسِنٍّ، تظهر أسنانه كبيرة بيضاء، بلاستيكية، و عباءته كذلك، مُغبرَّة, فأضحكُ معه قليلاً.. و أذهبُ بفِكري إليه إذ لا يشبه هذا الرجلُ جدِّي، فكيف يكونُ هو موتي؟!! هل كان شبيهاً بكَ أكثر من مرة؟ و مئات الأفواه تُفغَر لوجهي، فأريدُ أن أراني في ذات اللحظةِ.. كيف أبدو؟ هل خالجني موتٌ أم طفَتْ على تقاطيعهِ لمساتٌ جنائزية فتفاءل ذاكَ الذي ابتسم طويلاً من وجهي؟!! تُحرجني أسئلتي! خاصَّةً حين أمرُّ على البقَّالِ أسألهُ عن جريدةِ "الأمسِ" لأطالعَ الأخبارَ الفائتة، فكلُّ ما يحدثُ في العالَمِ قديمٌ و مكرَّرٌ في حَلَقَةٍ واحدةٍ طويلةٍ جداً، بدأَتْ مُذ عيينا بأطياننا و تجاهلنا طبقاتنا الأرضية نحو السماء و امتدَّتْ حتى يرثَ الله الأرض و ما عليها من نحن و آخرونَ و أشياءْ البقَّال اعتاد على سؤالي فلم أعد أشعر بالحرج، لكني عادةً ما أتحرّجُ من أسئلتي أمام نفسي عندما أصير الجمهور و ألقي عليَّ النصائح و لا ألتزم بها و أتسربلُ من واجباتي كبكرةِ خيطانٍ لا تدري نهاية ما تنحدرُ إليه.. فجأةً أنتبهُ للصباح، ما يعني أنَّ اليومَ الذي كنت فيه قد انتهى فعلاً، بصوتِ أمي توقظني! و رائحة النوم تحوم حولي، كاشتهاءٍ لا يَشعرُ مُتعاطيهِ بالتخمةِ أبداً.. ألتصِقُ بالذهولْ, يؤلمني الواقع في لحظةٍ ما، حين يضطرُّني للسير وراء الحقائقِ علّني أدركها.. أنا العابرةُ الأخيرةُ – من الحزنِ – في هذه المدينةِ الباردة التعابير.. أتشرنقُ حول ياسمينة، أتلاشى في فقاعةٍ تحمل كلّ الألوانِ, أهمِسُ في الريحِ لنفسي: "كوني جميلةً يا أنتِ" فيختلطُ الحزنُ بكبرياءِ الوقت، و تصطدمُ المنعطفاتُ في ذاكرتي و يستيقظُ الشوق الذي ما غفا، كلهم يحاولون بتر الحديث من جوفي فيُصابون بضوضائه! و الحديثُ على الرصيفِ يتسوَّلُ أحرفاً جديدةً تعيدُ لكنههِ القوة في الطَّرْحِ... يدسُّ العقاقيرَ جرعةً واحدةً في بطنهِ ليعتادَ طعم الوحدةِ.. و يستطرد في انتظارهِ لمَن يحكيهِ أو يكتبهُ أو ينشدهُ حزناً للعُمر المقصيِّ من جنبَيْه فيتكسّرُ تحت أرجُل العابرين كشيءٍ جاف.. هذا هو حالُ الوقتِ حين التهبت أرضُ الأرضِ بترابها، و سعى الآخرونَ في خرابها، و لم يبقَ إلا صوت الــ..، لا بنادق تشفي الغليل! لم يبقَ إلا صوت الصواريخِ و رائحة الدم التي هجاها الآدميون.. الدمُ زيتُ الروحِ الصدئة في تاريخٍ أشعث، لا يحملُ سكاناً أو أبطالاً أو انتصارات.. لا يحملُ خصبَاً يلعَن قحطَ الأيامِ.. تتشرذمُ الغاياتُ في زوابعَ صغيرةٍ تلهثُ للسماءِ.. بأورادٍ و تعاويذ.. و أنا كما الحريةُ أتناثرُ ذائبةً في التكوين الموتيِّ لأشباهي.. فمن يجمعُ أسمائي من خارطةِ العجزِ.. مَنْ.. يجمعُ.. أسمائي؟!! الحُسنى أسماء
من هدأة الدروب البعيدة أتيتُ أيا وطناً أشتاقُ لأبي و الأحبةِ فيه (2) الشمس تشرق من الفستقِ المغمَضِ العينينِ تحمِلُ ملامحَ خطوتي الأولى و ترسمُ على عجلٍ و بفوضى الخطوطِ الأخرى (3) مدينةٌ متعَبة و تاريخٌ ما زال ينبضُ في جوانحها و حاراتٌ و أزقَّة و اغتراباتٌ شتى تهطُل في قيظ الروحِ (4) كلُّ شيءٍ هنا لم يعد يشبهني حتى اللغة القاسية النبراتْ كل شيءٍ يتملَّصُ من نسَبي فأسيرُ غريبة (5) و في مدخل الجامع الكبير وقفتُ أخاطِبُ المتنبي و أتركُ للحمائمِ زوايا على المئذنةِ لم أستطع أن أتسلقها لترتاح عليها.. و أتأمل وجوه العابرين (6) السفر قلقْ و رحيلٌ منك.. و الطريقُ صهدٌ من كلمات و أنا أخرى.. (7) قالوا لنا:"مدينةُ الحضارة ترحب بكم!" هل نحن غرباءٌ ليرحبوا بنا في الوطن؟ أم نحن منهم؟ من نحن؟ (8) تغتالني الدروبُ يا حلبُ و القلبُ يشكي في طَفرةِ التكوينِ وحدتهُ و العين تبكي في لحظة اللقاءِ أياما و الروح يا شهبا.. مُيبَّسَةٌ هدَّها الجوعُ إلى كلِّ ترويحٍ ما أنسى هذي النفسَ كُربتَها.. فخُذي يأسي و أسكنيني في البعدِ المصلوبِ دهراً يحملُ للتاريخِ أسماءَ من ظلوا (9) أبواب الحديقة العامة تتوهني و النهر يشكي جفاف السنونِ التي كانتْ و أسرابٌ من طيورٍ لم أدرسها في الجامعةِ و لم أحفَل بصورةٍ تخلَّدها؛ تتكاثر حولي.. و أصواتٌ من التاريخ قادمةً و روائحَ من الترابِ تكفرُ بكلِّ المنافي و تتركُ لي ذاكرتي أعالجها بمرضِ المدينةِ التي نُقشَتْ فيها نقشاً و عتا الزمنُ عليها فغبَّرها بهُيامٍ ما لبثَ أن شعَّ بريقاً من تحت رمادِ الأسرِّةِ القديمةِ في بيتِ جدي و حكا لذاكَ الرجل الذي أخذني منها قصةَ الأوطانِ تعشقنا فنعشقها (10) "أراكَ عصيَّ الدمعِ" آ أبا فراس؟!! و تتخطاكَ أزمنةٌ إلى أنا! فينتهي التقويم المنقرضُ و يجف النهرُ في الحديقةِ بعدَكْ فابكِ إننا العطاشْ فابكِ إننا المجفَّفون تاريخاً فابكِ (11) ضحِكَتْ السيدة التي تشبه الموت فاهتزت القلعةُ من تحتي حين كنتُ أسيح فيها كأيةِ أجنبية! وجلسَتْ قُربي تلتقطُ صورةً للتذكارِ مني- من حجارتي التي تشبه تيكَ الحجارةِ حولي.. (12) في غمرةِ ابتعادي عنكَ أكتشفُ أن كل شيءٍ في العالَم طالتهُ يدُ الحداثةِ (13) وللحُبِّ عناقيدٌ من شهدِ الرضابِ قطفتهُ و تكسّرت على الأعتابِ جِراري! أيا شهبا.. نرثي الزمان دونكِ
<<Home














